الشيخ الأنصاري
389
مطارح الأنظار ( ط . ج )
وبالجملة ، فعلى ما ذكرنا يظهر أنّه ليس القول بالوجوب أو القول بالعدم ضروريّ الفساد ، كما قد يظهر كلّ من الدعويين من الفريقين ، بل التحقيق : أنّ المسألة نظريّة لا وجه لإرسالها في الضروريّات ، كما ادّعاه المحقّق الدواني « 1 » . نعم ، لو كان المراد بكونها ضروريّة أنّه يكفي في رفع التشاجر ملاحظة الوجدان الخالي عن شوائب الأوهام - وإن لم يكن وجود تلك الحالة بمرتبة من الظهور على وجه يعدّ منكرها من المكابر المتعسّف - كان لها وجه ؛ فإنّ الإنصاف أنّا نجد من أنفسنا من بعد حدوث الإرادة المتعلّقة بالواجب نسبة متعلّقة بمقدّماته على وجه لم يكن لتلك النسبة قبل تعلّق الإرادة به في أنفسنا عين ولا أثر . ونظير ذلك في وجود النسبة مع الغفلة أنّ العبد يجد من نفس المولى حالة نفسانيّة وإن لم يكن من حقيقة الطلب بالنسبة إلى قتل ولده أو إكرامه . وكيف كان ، فالأظهر في النظر أنّه مع قطع النظر عن الوجوب العقلي والوجوب العرضي والوجوب الإرشادي يكون في المقدّمة وجوب آخر بالمعنى الذي ذكرناه ، والدليل على ذلك هو الوجدان وإن لم يكن ظهوره في الوجدان بمثابة يعدّ منكره مكابرا ، فإنّ مراتب الوجدانيّات في الظهور والخفاء بل ومطلق الضروريّات ممّا لا ينبغي التأمّل في اختلافها . واعلم أنّ الاقتضاء المستعمل عندهم في عنوان هذه المسألة قد عرفت أنّ المراد به هو الاستلزام العقلي ، ولا مدخل للّفظ فيه ، لعموم الكلام في المقام فيما إذا ثبت الوجوب بالعقل . نعم ، إذا كان الدليل المفيد للوجوب لفظا صحّ الاقتضاء اللفظي ، فيكون وجوب المقدّمة من جهة الدلالة الالتزاميّة فيما لو لم يعتبر فيها اللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ أو مطلقا ، إذ اللزوم على القول به ليس على وجه يكفي في
--> ( 1 ) حكاه عنه المحقّق النراقي في المناهج : 49 .